أحمد زكي صفوت

91

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

وبما صار معي من كريم جسدك ، وطيّب جوارحك ، ليحيى عبدك ، فأخذ هارون ذلك فلثمه ، ثم استعبر وبكى بكاء شديدا ، وبكى أهل المجلس ، ومرّ البشير إلى يحيى ، وهو لا يظن إلا أن البكاء رحمة له ، ورجوع عنه ، فلما أفاق رمى جميع ذلك في الحق ، وقال لها : لحسن ما حفظت الوديعة ، قالت : وأهل للمكافأة أنت يا أمير المؤمنين ، فسكت وأقفل الحق ، ودفعه إليها ، وقال : « إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها » قالت : واللّه يقول : « وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ » ويقول : « وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ » ، ثم قال : وما ذلك يا أم الرشيد ؟ قالت : أو ما أقسمت لي به ألا تحجبنى ولا تمتهننى « 1 » ؟ قال : أحب يا أم الرشيد أن نشتريه محكّمة فيه . قالت : أنصفت يا أمير المؤمنين ، وقد فعلت غير مستقيلة لك ، ولا راجعة عنك . قال : بكم ؟ قالت : برضاك عمن لم يسخطك ، قال : يا أم الرشيد أما لي عليك من الحق مثل الذي لهم ؟ قالت : بلى يا أمير المؤمنين ، أنت أعزّ علىّ ، وهم أحبّ إلىّ . قال : فتحكّمى في تمنية بغيرهم ، قالت : بلى قد وهبتكه ، وجعلتك في حلّ منه ، وقامت عنه ، وبقي مبهوتا ما يحير « 2 » لفظة » . ( العقد الفريد 3 : 23 ) 81 - خطبة يزيد بن مزيد الشيباني لما رضى الرشيد عن يزيد بن مزيد « 3 » أذن له بالدخول عليه ، فلما مثل بين يديه قال : « يا أمير المؤمنين ، الحمد للّه الذي سهّل لي سبيل الكرامة بلقائك ، وردّ علىّ

--> ( 1 ) امتهنه : ابتذله . ( 2 ) يحير : يرد . ( 3 ) وذلك أن الوليد بن طريف الشارى خرج في عهد الرشيد بالجزيرة ، واشتدت شوكته وكثر تبعه سنة 179 ، فوجه إليه الرشيد يزيد بن مزيد الشيباني ، فجعل يخاتله ويماكره ، وكانت البرامكة منحرفة عن يزيد ، فأغروا به الرشيد ، وقالوا : إنما يتجافى عنه للرحم ( لأنه شيبانى مثله ) وإلا فشوكة الوليد يسيرة وهو يواعده ، وينتظر ما يكون من أمره ، فوجه إليه الرشيد كتاب مغضب ، يقول فيه : « لو وجهت بأحد الخدم لقام بأكثر مما تقوم به ولكنك مداهن متعصب ، وأمير المؤمنين يقسم باللّه لئن أخرت مناجزة